العقد بطريق الإذعان
وفق نصوص القانون المدني المصري والمعمول به حاليا رقم 131 لسنة 1948 ورد نص المادة رقم 149 متضمنا بأنه "إذا تم العقد بطريق الإذعان، وكان قد تضمن شروطا تعسفية جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفي الطرف المذعن منها: وذلك وفقا لما تقضي به العدالة ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك".
وورد نص المادة 150 مدني على أنه:
1) إذا كانت عبارة العقد واضحة، فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين.
2) أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستعانة بطبيعة التعامل، وما ينبغي توافره من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقًا للعرف الجاري في المعاملات.
ووفق نص المادة 149 يتضح معنى الإذعان في القانون بأنه تضمين العقد شروطا تعسفية، يكون فيه أحد الطرفين (المُذعن) مضطرًا لقبول شروط يضعها الطرف الآخر (القوي) بشكل مسبق في صيغة نمطية، دون وجود فرصة حقيقية للتفاوض أو التعديل؛ والطرف الضعيف لا يملك إلا خيار القبول أو الرفض الكامل، وهو شائع في الخدمات الأساسية كالمياه، والكهرباء، والاتصالات والتأمين، والبنوك، حيث يكون أحد الأطراف محتكرًا للخدمة أو في موقع قوة أكبر.
ومن منطلق التعريف بمعنى الإذعان يأتي التساؤل: هل للقاضي من دور لحماية الطرف الضعيف في العقد؟
أجابت على ذلك نص المادة 150 حيث تعرض النص لحالتين وهما:
الحالة الأولى: إذا ما كانت العبارة واضحة، لا يلجأ القاضي لتفسير العقد، بل يلتزم بالمعنى الحرفي للعبارات، لأنها تعبر عن إرادة المتعاقدين بوضوح.
الحالة الثانية: إذا ما كانت العبارة غير واضحة، وكان هناك محل لتفسير العقد، فإن القاضي لا يقتصر على المعنى الحرفي، بل يبحث عن النية الحقيقية للمتعاقدين.
وهو المستقر عليه في قضاء المحكمة الإدارية العليا: "أنه في مجال العقود عموماً مدنية كانت أو إدارية فإنه يجب تنفيذ العقد وفقاً لما اشتملت عليه نصوصه وبما يتفق ومبدأ حسن النية طبقاً للأصل العام المقرر في الالتزامات عموما، ومن مقتضى ذلك أن حقوق المتعاقد مع الإدارة والتزاماته تتحدد طبقاً لشروط العقد الذي يربطه بها...
كما أن المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أنه في مجال تفسير العقود فإنه من المتعين البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف على المعنى الحرفي للألفاظ، إذ العبرة بالإرادة الحقيقية، على أن تكون هي الإرادة المشتركة للمتعاقدين، والتي التقى عندها المتعاقدان، وهي التي يؤخذ بها دون اعتداد بما لأي متعاقد منهما من إرادة فردية...
(الطعن رقم 16621 لسنة 52 القضائية عليا – الدائرة الثالثة – جلسة 26 مايو 2009).
والمستقر عليه في قضاء محكمة النقض:
1- "إذا كانت المحكمة في تفسيرها ورقة من أوراق الدعوى لم تخالف ظاهر معناها فلا يكون عليها أن تورد أسبابا لذلك..."
(طعنان رقما 55، 74 لسنة 16ق جلسة 22/5/1947).
2- إذا كان المدلول الظاهر للاتفاق...
(طعن رقم 653 لسنة 25 ق جلسة 4/5/1961).
فمما سبق يتبين أن للقاضي دور في تفسير العقد إذا ما كانت عباراته غامضة، وجب عليه البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين. ولكن هل القاضي يقع على عاتقه في تفسيره للعقد ثمة قيود؟
ورد نص المادة 151:
1) يفسر الشك في مصلحة المدين.
2) ومع ذلك لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن.
وهو ما استقرت عليه محكمة النقض في قضاءها: "إن الاشتباه في الغرض المقصود من المشارطة... (طعن رقم 21 لسنة 14ق جلسة 14/12/1944).
نخلص من ذلك إلى أن الإذعان يغلب عليه طابع التحكم من قبل الطرف المذعن؛ حيث امتلاكه المرفق أو الخدمة أو السلعة المراد التعاقد عليها بالشراء أو الاستهلاك أو الاستخدام، فيُرغم المدين على تقبلها بالشروط التي يفرضها المذعن رغم تعسفها؛ لذلك جاء القانون مقيدًا لرغبات المذعن حتى لا تطال فلا ترحم المدين من تعسفه، فجعل الأحقية للقاضي في تفسير العقد إذا ما جاء محملاً بعبارات غامضة، مع تحقيق التوازن بأن لا يضر بمصلحة المذعن، وعلى كل فإن الشك يفسر لمصلحة المدين.
بقلم: الدكتور/ محمد عويان المحامي بالنقض
يهمنا تفاعلك