الأستاذ الدكتور/ ربيع رستم
المحامي بالنقض
باحث قانوني ومؤلف لعدد من الكتب القانونية المتخصصة.
توضيح قانوني: القول الفصل في براءة اليقين ⚖️
بعد منشورات الاستهزاء بأحكام القضاء في حكم براءة ادعاء فتاة التحرش بها في أحد وسائل النقل (اتوبيس)، ومحاولة التضليل المكشوف بتفسير الحكم أنه كان براءة لعدم كفاية الأدلة، وإرفاق البعض فيديو قديم في قضية مخدرات وإلصاقه بالواقعة.. قمت بكتابة منشور لتوضيح الأبعاد القانونية للحكم.
إعلان
لكن البعض كان مصراً بكبر ألا يسمع أو يبحث فيما تم طرحه، ومن بينهم أستاذة زميلة فاضلة.. بدأت تتحدث عن البراءة من أجل الشك وحاولت كثيراً توضيح الأمر، لكن عقيدتها فيما هو خطأ كانت راسخة.. لذلك أحببت نشر هذا المحتوى ليكون خاتمة لكل اللغط الموجود حول حكم البراءة الذي حصل عليه الشاب أسامة.
"الاتهام بتجاهل أحكام النقض لتعريف الحكم لعدم كفاية الأدلة، والاتهام لرأي المخالف بأنه موجه لجهة معينة، وأن منشوري لم يكن انتصاراً للحق أو النقاش الحر المحترم.. قررت الرد في منشور مستقل أمام الجميع."
كنت أتمنى أن يظل النقاش في إطار العلم المجرد، لكن اتهام الزملاء في نزاهتهم أو ادعاء أن رأيهم موجه هو سقطة مهنية وخروج عن تقاليد الزمالة؛ فالحجة تُرد بالحجة، والاتهام بالتحيز هو ملاذ من تعوزه الأدلة.
وأود التنويه؛ أنني وبرغم كوني دكتوراً في القانون ولدي العديد من المؤلفات القانونية، إلا أنني لا زلت أعتبر نفسي باحثاً أتعلم كل يوم، وهذا لا ينقص مني شيئاً، بل يفرض عليّ التواضع العلمي.. وإليكم الأسانيد القانونية التي استقرت عليها محكمة النقض المصرية:
أولاً: حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني (المادة 456 إجراءات جنائية)
أرست محكمة النقض مبدأً لا يحيد أن للحكم الجنائي قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الوقائع التي فصل فيها وكان فصلاً ضرورياً. وعليه، عندما تقضي المحكمة بالبراءة وتُتبع ذلك بـ رفض الدعوى المدنية، فهذا إقرار قضائي بات بـ انتفاء الخطأ في حق المتهم.
لو كانت البراءة للشك مع ثبوت الفعل، لأحالت المحكمة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة، لكن رفضها للدعوى يعني جلياً أن ركن الخطأ منعدم تماماً، وهو ما يحوز حجية مطلقة.
راجع: الطعن رقم 123 لسنة 41 قضائية - جلسة 30/1/1975.
ثانياً: التفرقة بين براءة الشك وبراءة اليقين
أؤكد للمرة المليون على عدم الخلط بين براءة "عدم كفاية الأدلة" وبين "البراءة لعدم صحة الواقعة". تقول محكمة النقض: إذا كان الحكم بالبراءة مبنياً على عدم صحة الواقعة أو عدم ارتكاب المتهم لها، فإنه يقيد المحكمة المدنية ويمنعها من إعادة بحث الخطأ. وفي واقعة أسامة، المحكمة تيقنت من كذب البلاغ وتلفيقه؛ وهذا النوع هو براءة يقينية مطلقة تطهر ساحة المتهم بقوة القانون.
راجع: الطعن رقم 284 لسنة 35 قضائية - جلسة 20/5/1969.
ثالثاً: مبدأ وحدة الخطأ الجنائي والمدني
استقرت المحكمة على أن الخطأ الجنائي والمدني واحد؛ فإذا انتفى الأول بحكم بات لعدم صحة الواقعة، امتنع على القاضي المدني إثباته لإسناد التعويض. وبالتالي، فإن رفض التعويض هو صك الطهارة القانوني الذي يدمغ البراءة بصفة اليقين.
راجع: الطعن رقم 144 لسنة 40 قضائية - جلسة 25/11/1975.
الأساتذة الأفاضل.. نحن هنا لنشر الوعي المنضبط منعاً للتضليل، بعيداً عن العواطف التي قد تشوه الحقائق. أكتفي بهذا القدر كآخر حديث مني بشأن تلك الواقعة؛ فالعلم لا يُفرض والقناعات الفنية تُبنى على الحجة لا على الانفعال.
![]() |
| أ.د/ ربيع رستم |

يهمنا تفاعلك