بقلم: ا.د/ يوسف الديب المحامي
عضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي
حكم تاريخي لمحكمة جنايات الجيزة حول بطلان القبض وانتفاء حالة التلبس
أرست محكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار الدكتور محمد السيد الجنزوري، في موضوع بطلان القبض وانتفاء حالة التلبس، حكماً تاريخياً راسخاً، ناطقاً بعقل القانون لا بهوى الإجراء. وقد استخلصت لكم من الحكم جملة من المبادئ التي أرستها المحكمة على التفصيل التالي:
المبدأ الأول: شرعية القبض
لما كان القبض أخطر الأبواب مساساً بالحرية، فإن الشرعية مفتاحه الذي لا يفتح إلا به، فإذا رام القائم به اقتحامه بغير سبب صحيح ودليل مشروع، دنا من إثم البطلان قبل أن يبلغ غايته. فالإجراء إذا ران عليه العيب من مبتدأه، تقوض بنيانه حتى غدا شذر مذر، إذ الأصل سابق والفرع لاحق، وما بني على باطل فهو باطل.
المبدأ الثاني: مادية التلبس
لما كان التلبس حقيقة تدركها الحواس لا رواية تروى ولا عبارة تنشأ، فإنه مشاهدة لا مشافهة، وإدراك لا ادعاء. أتراه يقوم بقول لاحق أو يثبت بتحرير لاحق؟ كلا، بل إما تلبس يرى ويحس، وإما بطلان يعلن ويفصل، فلا يستدرك القلم ما عجز عنه الواقع.
المبدأ الثالث: يقين الواقع وضبط الأوراق
في حين تعلو رواية الضبط وتخفت حقيقة الواقع، وتتنازع الأوراق بين قول منشأ وواقع ثابت، فإن التعارض إذا ران عليه الوهن اهتز معه اليقين، حتى غدت الأدلة شذر مذر لا يجمعها رابط ولا يقيمها سند. والعدل لا يسير على قدمين مختلفتين، بل يستوي على حقيقة واحدة لا تناقض فيها ولا اضطراب.
المبدأ الرابع: شروط الإقرار
لما كان الإقرار سيد الأدلة مشروطاً بسلامة منشئه، فإنه إن لم يولد في ظل شرعية صحيحة، غدا صدى بلا صوت وظلاً بلا جسد. فإن جحد المتهم من أول الطريق، ولم يعضد إقراره يقين مستقل، انقلب عبئاً على الاتهام لا عوناً له، ودليلاً على الشك لا وسيلة لليقين.
المبدأ الخامس: سيادة اليقين على الشك
لما كان الشك نقيض اليقين، وكانت الجنائية لا تقام إلا على الجزم والقطع، فإنها لا تدان بالاحتمال ولا تستند إلى الظن. فإذا ران الشك على الدليل، وجب طرحه، وإذا اضطرب الميزان، تعين رد الاتهام إلى أصل البراءة، حتى تستوي العدالة على ميزان قويم لا ميل فيه ولا اعوجاج.
المبدأ السادس: سلطة الضبط والقانون
لما كانت سلطة الضبط خادمة للقانون لا سيدة عليه، فإنها تقدر إذا التزمت حدوده، وتهدر إذا جاوزتها. فحيث يحترم النص تصان الحرية وتربو، وحيث ينتهك النص يولد الإثم الجنائي ويستفحل، حتى يغدو الإجراء نفسه محلاً للمساءلة لا وسيلة لها.
المبدأ السابع: أصل البراءة
لما كان الأصل في الإنسان البراءة، فإن هذا الأصل لا يزول إلا بيقين يناهضه، ولا يندفع إلا بدليل لا يداخله شك. فإذا خلا الأوراق من سبب مشروع، وبان التلفيق في تصوير الواقعة، تهاوت أركان الاتهام، ورنا البطلان إليه حتى أسقطه من أساسه.
المبدأ الثامن: استثناء التقييد
لما كان الدستور قد أقام الحرية أصلاً والتقييد استثناءً، فإن هذا الاستثناء لا يفترض ولا يستعار، بل يثبت بقدر ضرورته وبحدود سببه. فإذا غاب السبب الصحيح، وتراخى الدليل المشروع، استحال الإجراء عدواناً مستتراً لا شرعية له، وسقطت عنه كل حماية قانونية.
الخاتمة
وحاصل هذه المبادئ مجتمعة أنها تنتظم في عقد واحد، تتساند حلقاته حتى تستوي وربت على أصول راسخة؛ فالقبض لا يقوم إلا بشرعية، والتلبس لا يثبت إلا بحقيقة، والدليل لا يعتد به إذا ران عليه الشك، والإقرار لا يغني بغير يقين، وسلطة الضبط مقيدة لا مطلقة. حتى إذا اجتمعت هذه القواعد، أقامت العدالة بنيانها على جودي الدستور، وسلمت الجنائية من إثم الإجراء، واستقرت سيادة القانون في موضعها الصحيح، لا تميل ولا تضطرب.
يهمنا تفاعلك