الأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ / مُحَمَّد عُوَيَّان
المُحَامِي بِالنَّقْضِ
مَاذَا تَعْنِي قَاعِدَةُ "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ"؟
وَهَلْ تِلْكَ القَاعِدَةُ تَسْمَحُ لِلزَّوْجَةِ بِارْتِكَابِ جَرِيمَةِ الزِّنَا دُونَ أَدْنَى عِقَابٍ عَلَيْهَا حَتَّى وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِتَحْلِيلِ الـ DNA؟
بِدَايَةً أَرَدْتُ تَنَاوُلَ هَذَا المَوْضُوعِ لِمَا وَجَدْتُهُ عَلَى إِحْدَى صَفَحَاتِ الفَيْسِ بُوك، وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ مِنْ مُتَخَصِّصِينَ فِي المَسَائِلِ القَانُونِيَّةِ، حَيْثُ طَرَحَهُ بِالشَّكْلِ الَّذِي يُوحِي بِالسَّمَاحِ لِلزَّوْجَةِ بِالزِّنَا رَغْمَ تَحْلِيلِ الـ DNA، وَهُوَ أَمْرٌ فِي غَايَةِ الدَّهْشَةِ وَالاسْتِغْرَابِ مِمَّا اسْتَفَزَّنِي حَقِيقَةً؛ وَلِأَنَّ الكَلِمَةَ أَمَانَةٌ وَمَسْئُولِيَّةٌ، كَمَا أَنَّ المَسَائِلَ العِلْمِيَّةَ خَاصَّةً المُمُتَعَلِّقَةَ بِالشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَنَاوَلَهَا دُونَ تَأْصِيلٍ لَهَا مِنَ الثَّوَابِتِ الشَّرْعِيَّةِ.
مِمَّا دَعَانِي الحَقِيقَةَ لِتَنَاوُلِهِ كَمَقَالٍ اسْتِفْسَارِيٍّ عَنْ مَا تَمَّ طَرْحُهُ مِنْ أَسْئِلَةٍ لِلْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهَا مِنْ عَدَمِهِ، وَلِأَنَّنَا لَسْنَا بِصَدَدِ أَمْرٍ لَيْسَ هَيِّنًا، بَلْ أَمْرٌ يَحْتَاجُ مِنَّا إِلَى تَوْضِيحٍ وَإِيضَاحٍ بِمَا فَرَضَتْهُ الشَّرِيعَةُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَمَدَى إِعْمَالِ القَانُونِ لِتِلْكَ القَاعِدَةِ وَالأَخْذِ بِهَا.
فَبَادِئَ ذِي بَدْءٍ هُنَاكَ خَلْطٌ شَائِعٌ حَوْلَ مَفْهُومِ قَاعِدَةِ "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" وَعَلَاقَتِهَا بِعُقُوبَةِ الزِّنَا أَوْ اسْتِخْدَامِ تَحْلِيلِ البَصْمَةِ الوِرَاثِيَّةِ (DNA) فِي القَانُونِ المِصْرِيِّ.
حَقِيقَةُ القَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَلَاقَتُهَا بِعُقُوبَةِ الزِّنَا
حَيْثُ أَنَّ قَاعِدَةَ "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" لَا تَعْنِي إِعْفَاءَ الزَّوْجَةِ مِنْ عُقُوبَةِ الزِّنَا، فَتِلْكَ القَاعِدَةُ الفِقْهِيَّةُ المُسْتَمَدَّةُ مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" هِيَ قَاعِدَةٌ لِحِمَايَةِ الطِّفْلِ وَإِثْبَاتِ نَسَبِهِ لِمَنْ وُلِدَ فِي ظِلِّهِ (أَيْ الزَّوْجِ)، وَلَيْسَتْ لِحِمَايَةِ الزَّوْجَةِ الخَائِنَةِ أَوْ السَّمَاحِ لَهَا بِالزِّنَا.
كَمَا أَنَّ عُقُوبَةَ المُحْصَنَةِ الزَّانِيَةِ مَعْلُومَةٌ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِأَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وَلَيْسَتْ ظَنِّيَّةً، أَيْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تَخْلُ نُصُوصُهَا مِنْ عُقُوبَةِ المُحْصَنَةِ إِذَا مَا زَنَتْ، وَلَكِنْ بِشُرُوطٍ نَصَّتْ عَلَيْهَا آيَاتُ الذِّكْرِ الحَكِيمِ.
مَوْقِفُ القَانُونِ المِصْرِيِّ مِنْ جَرِيمةِ الزِّنَا
أَمَّا عَنِ القَانُونِ المِصْرِيِّ وَمُعَاقَبَةِ الزَّوْجَةِ المَتَزَوِّجَةِ الَّتِي تَثْبُتُ خِيَانَتُهَا وَارْتِكَابُهَا وَاقِعَةَ الزِّنَا، فَإِنَّهُ يَتِمُّ مُعَاقَبَتُهَا بِالحَبْسِ مُدَّةً قَدْ تَصِلُ إِلَى سَنَتَيْنِ طَبَقًا لِلْمَادَّةِ 274 مِنْ قَانُونِ العُقُوبَاتِ.
وَلِلزَّوْجِ الحَقُّ الكَامِلُ فِي تَحْرِيكِ دَعْوَى الزِّنَا ضِدَّ زَوْجَتِهِ إِذَا اكْتَشَفَ خِيَانَتَهَا، وَتُعَاقَبُ الزَّوْجَةُ وَالشَّرِيكُ (الزَّانِي) جِنَائِيًّا.
كَيْفَ يَتَعَامَلُ القَانُونُ المِصْرِيُّ مَعَ تَحْلِيلِ الـ DNA وَنَفْيِ النَّسَبِ؟
القَانُونُ المِصْرِيُّ نَظَّمَ الإِجْرَاءَاتِ الَّتِي تُمَكِّنُ الزَّوْجَ مِنْ اتِّخَاذِهَا حِيَالَ الزَّوْجَةِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ اسْتِخْدَامِ الوَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ الحَدِيثَةِ فِي الإِثْبَاتِ، لِكَيْ يُحَافِظَ عَلَى الثَّوَابِتِ الأُسَرِيَّةِ وَاسْتِقْرَارِهَا، لِذَلِكَ شَدَّدَ فِي اتِّخَاذِ الإِجْرَاءَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْإِثْبَاتِ مِنْ عَدَمِهِ فَمَنَحَ الزَّوْجَ تَحْرِيكَ دَعْوَى اللِّعَانِ وَنَفْيِ النَّسَبِ إِذَا اكْتَشَفَ خِيَانَةَ زَوْجَتِهِ وَشَكَّ فِي نَسَبِ الطِّفْلِ.
وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ مَحْكَمَةُ النَّقْضِ المِصْرِيَّةُ وَمَحَاكِمُ الأُسْرَةِ عَلَى أَنَّ تَحْلِيلَ البَصْمَةِ الوِرَاثِيَّةِ (DNA) يُعْتَدُّ بِهِ قَانُونًا كَقَرِينَةٍ قَوِيَّةٍ وَقَاطِعَةٍ لِنَفْيِ النَّسَبِ أَوْ إِثْبَاتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتِمَّ إِجْرَاؤُهُ عَبْرَ الطِّبِّ الشَّرْعِيِّ بِطَلَبٍ رَسْمِيٍّ مِنَ المَحْكَمَةِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ تَزْوِيرِ العَيِّنَاتِ.
وَلَكِنَّ القَانُونِ اشْتَرَطَ ضَابِطًا زَمَنِيًّا وَهُوَ أَلَّا يَكُونَ الزَّوْجُ قَدِ اعْتَرَفَ بِالطِّفْلِ صَرَاحَةً أَوْ ضِمْنًا (مِثْلَ تَسْجِيلِهِ بِنَفْسِهِ وَتَعَمُّدِ السُّكُوتِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ عُذْرٍ)، وَذَلِكَ لِمَنْعِ التَّلَاعُبِ بِمَصَائِرِ الأَطْفَالِ.
يهمنا تفاعلك