ثانياً: الدفــــــــــاع
مقدمــــــة واستهـــــــــلال:
تشير واقعات الدعوى إلى أن الاتهامات تدور وجوداً وعدماً حول واقعة مادية واحدة وهي تقديم شهادة طبية كدليل عذر عن تخطي المدة القانونية المضروبة كميعاد للاستئناف، وأن مهر الشهادة الطبية بهذه الأختام الخاصة بنقابة الأطباء هو تنفيذاً للبروتوكول المحرر بين المحكمة الابتدائية ونقابة الأطباء لتحصيل رسم على كل شهادة مرضية كنوع من المساهمة في إيرادات نقابة الأطباء، وأنه إجراء عرفي ليس من الإجراءات التي يتطلبها القانون في شكل أدلة العذر المقدمة للمحاكم، وإنما هو تزيد لا يضفي ولا ينقص من دليل العذر - مدلوله في إثبات العذر.
وجدير بالذكر أنه ومنذ شرع قانون الإجراءات الجنائية في 1950/9/3 ونشر في 1950/10/15 وتم العمل به اعتباراً من 1950/11/14 ووضع شرطاً شكلياً للاستئناف مرتبط بموعد محدد هو عشرة أيام تبدأ من صدور الحكم (دون عذر)، وهي مدة قصيرة تحول دائماً ظروف الحال وإجراءات حصر الأحكام من الالتزام بها، وقد دأبت المحاكم تيسيراً على المتقاضين بقبول أي دليل يعتذر به المتهم عن التزامه بموعد الاستئناف، ودأب المحامون على تقديم تلك الأدلة الشكلية التي تخضع كأي دليل في الدعوى للسلطة التقديرية للمحكمة حتى صار ذلك بمثابة عرف جارٍ متعارف عليه ومتسامح في قبوله، وهو الأمر الذي يدعونا إلى الحديث عن العرف وتأثيره في التشريع تجريماً وإباحة.
دور العرف في التجريم أو في الإباحة
(1) العرف سلوك يطرد عليه عمل الناس في أمورهم ومعاملاتهم ويعتبرونه ملزماً لهم من الوجهة القانونية، وهو بهذا التحديد يعد مصدراً رسمياً فطرياً وضرورياً يعطي القاعدة القانونية قوة ملزمة في العمل – فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف. والسلوك لا يصبح عرفاً إلا بتوافر ركنين أساسيين: أولهما مادي، وهو اطراد العمل بين الناس أو فئة منهم بسنة معينة. وهذه السنة تنشأ بمعزل عن توجيه أو أمر السلطة الحاكمة، فتنشأ نشوءاً ذاتياً؛ وذلك إما بدافع الإحساس بضرورة هذه السنة، وإما بدافع الاستحسان لها، وإما بدافع ضرورة الحال الملجأ إلى سلوك معين مضطرد اتبعه الناس وأنسوا إليه معتقدين بأنه ملزم أو بأنه مباح.
ويجمع أغلب الفقهاء على أنه ليس للعرف نصيب في قانون العقوبات، نظراً لاحتكار التشريع حق تقرير الجرائم والعقوبات، فالقاعدة الأساسية في قانون العقوبات تقضي بأنه: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون."
(2) يجمع الفقه على إنكار دور العرف في إنشاء قواعد جنائية جديدة، أو إلغاء قواعد جنائية قائمة ويظل الفعل معتبراً جريمة ولو كف القضاء عن تطبيق نص التجريم أمداً طويلاً. فالطالب في الامتحان الذي ينجح في اختلاس ورقة إجابة لزميل له ويضع عليها اسمه زوراً، يظل فعله مكوناً لجريمة تزوير (المادتين 211، 212 عقوبات)، حتى ولو جرى العرف على عدم رفع الأمر إلى القضاء اكتفاءً برسوبه وفصله من الجامعة. وكذلك فإن إطلاق أعيرة نارية في الأفراح يكون جريمة معاقب عليها بالمادة 379/2 عقوبات ولو جرى العرف على التسامح في مثل هذه المناسبات.
بيد أن الفقه لا ينكر مطلقاً دور العرف في نطاق تحديد النص التجريمي؛ فيرتب له آثاراً في نطاق الإباحة، وتكملة وتفسير النص الجنائي في بعض الظروف والحالات مقررين بأنه إذا كان العرف لا يملك تقرير جريمة حيث يوجد نص جزائي يكون الالتجاء إليه متصوراً على سبيل الاستئناس بصفته معيناً على تفسير النص وتحديد مضمونه أو في تأثيره على القصد الجنائي أو إباحة الفعل. ويظل النص – رغم إباحة الفعل وفق ظرف من ظروف الإباحة – مجرماً، بيد أن مصدر أسباب الإباحة يختلف عن مصدر التجريم. ففي حين لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، فإن الإباحة يجوز أن تستند إلى العرف ولا يحمل ذلك مساساً بمبدأ الشرعية؛ لأن الإباحة لا تتضمن تجريماً أو عقاباً، بل ترفع صفة التجريم عن الفعل.
وللعرف دوراً مؤثراً في إضفاء صفة المشروعية على أفعال هي في أصلها جرائم؛ كتخويل المخدوم وملقن المهنة حق تأديب خادمه أو صبيه، وتحديد مدى جسامة الأفعال التي يجيزها حق التأديب، وإباحة أفعال العنف التي تمارس بها الألعاب الرياضية، وتحديد مدى جسامة ما يباح منها.
(1) يراجع في ذلك د. محمد كامل مرسي ود. السعيد مصطفى السعيد شرح قانون العقوبات المصري الجديد، الطبعة الثانية 1943، ص 104. د. مأمون محمد سلامة، قانون العقوبات القسم العام، دار الفكر العربي، طبعة 1990، ص 31. د. جلال ثروت، نظرية الجريمة، طبعة 1995، ص 44. د. عبد الفتاح الصيفي الأحكام العامة للنظام الجنائي، ص 71. د. عوض محمد، قانون العقوبات القسم العام، طبعة 2000، ص 8. د. محمود نجيب حسني، الفقه الجنائي الإسلامي، ص 111.
ومن هذا المنطلق فإن المشرع وهو بصدد تطبيق العقوبة على التزوير بالشهادات المرضية المثبتة لعاهة – قد راعى أن العرف السائد يتسامح في مثل هذه الشهادات سيما وأن المقصود منها ليس افتئاتاً على حقوق الغير أو اغتصاباً لسلطة أو إحداث أضراراً جسيمة لأحد، وهو ما يدعونا للوقوف على مقصد الشرع وغايته في تأثيم تزوير مثل هذه الشهادات.
يدور دفاعنا في هذه المذكرة حول ثلاث مباحث رئيسية:
أولهما: خاص باتصال المحكمة بالدعوى من حيث صحة أو بطلان قرار محكمة الجنايات منعقدة بغرفة المشورة.
ثانيهما: بيان شروط وحالات اعتبار التزوير في الشهادات المرضية معاقب عليه، ومدى انطباق النصوص على واقعات الدعوى.
ثالثهما: عدم كفاية الدليل من ناحية الإسناد وثبوت الواقعة محل التجريم في حق المتهم.

يهمنا تفاعلك