هل جاء الذكاء الاصطناعي لإلغاء دور رجل القانون؟ قراءة في مستقبل العدالة الرقمية وإطار المواجهة
الحقيقة للوقوف على إجابة الأسئلة المطروحة أود التعريف بداية: ما هو الذكاء الاصطناعي؟ ومن منطلق هذا التعريف سيستبين مدى إمكانيته من عدمه في إلغاء دور رجل القانون، والتعليل بماذا في الحالتين إن أمكن أو لا يمكن.
أولاً: ما هو الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟
الذكاء الاصطناعي (AI) هو محاكاة قدرات الذكاء البشري وعمليات التفكير من قبل أنظمة وأجهزة الكمبيوتر، ويعتمد بشكل أساسي على ركائز، منها:
- جمع وتجهيز البيانات: (نصوص، صور، أرقام، أصوات) يتم جمعها وتجهيزها لتدريب النماذج.
- الخوارزميات والتعلم الآلي: لتحليل البيانات والبحث عن الأنماط والعلاقات المتكررة داخلها.
- التعلم العميق: وهو نوع متطور يعتمد على "شبكات عصبية اصطناعية" تحاكي طريقة عمل الدماغ البشري لمعالجة المهام المعقدة مثل التعرف على الصور والأصوات.
- الاستنتاج واتخاذ القرار: بعد اكتمال التدريب، يُطبّق النموذج ما تعلّمه على بيانات جديدة لم يسبق له رؤيتها، ليقوم بالتنبؤ، أو توليد محتوى، أو اتخاذ قرارات.
وبناءً على هذا التعريف وكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، يتضح أنه آلية للصياغة والتطوير؛ وبياناته المخزنة ناتجة عن إدخالات بواسطة العنصر البشري.
وعليه، فإن فهم القوانين والتشريعات والتطبيقات تحتاج لمتخصصين دارسين، وهي أمور يمتلكها رجل القانون وحده، ولا يمتلكها الذكاء الاصطناعي لكونه يتعامل مع نصوص جافة وبيانات ضخمة. كما أن القانون علم يتطور بالاجتهاد الفقهي والقضائي، والذكاء الاصطناعي يعتمد فقط على ما كُتب في الماضي، ولا يمكنه ابتكار دفوع قانونية جديدة لمواجهة قضايا مستحدثة.
ثانياً: الإطار العملي لقيادة الذكاء الاصطناعي وتطويعه لخدمة العدالة
سبق وأن تم تعريف الذكاء الاصطناعي أنه محاكاة لقدرات الذكاء البشري، وعليه فإن تطويعه يحتاج إلى التوجيه والصياغة الذكية، والتي تتلخص في النقاط التالية:
- التوجيه والصياغة الذكية: تعلم كيفية الصياغة للأسئلة والطلبات القانونية بدقة للمنصات، لتوجيهه نحو استخراج نصوص أو سوابق قضائية معينة.
- التحقق والتنقيح: التعامل مع مخرجاته كـ "مسودة أولية" بحاجة للمراجعة الدقيقة؛ حيث يجب على رجل القانون فحص الهلاوس الرقمية (الأخطاء) والتأكد من صحة المواد القانونية المستند إليها.
- التكامل المؤسسي: لدمج أدواته في المهام الروتينية (مثل صياغة العقود النمطية، مراجعة آلاف المستندات في قضايا الشركات، والبحث في السوابق القضائية).
- السرية والأمان: كيفية الالتزام بالسرية والأمان لعدم رفع بيانات الموكلين على منصات عامة، واستخدام برمجيات قانونية مغلقة ومحمية.
- التطوير المهني المستمر: يجب أن يكون مستمراً، من خلال الحضور لدورات تجمع بين القانون والتكنولوجيا لفهم حدود الآلة والتحيزات التي قد تقع فيها.
ثالثاً: العوائد النفعية مادياً وأدبياً على رجل القانون
هل من نفع سيعود على رجل القانون من استخدام الذكاء الاصطناعي؟ نعم، وبشكل ملموس على المستويين المادي والمعنوي:
1. العوائد المادية:
سيؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الوقت المستغرق في البحث وصياغة العقود من أيام إلى دقائق، مما يتيح للمحامي استقبال عدد أكبر من الموكلين والقضايا. كما يساهم في انخفاض الحاجة لتوظيف أعداد من الأشخاص للقيام بأعمال البحث والتدقيق الروتينية، مما يرفع هامش الربح للمكاتب القانونية.
إضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على تقديم استشارات فورية مدعومة ببيانات دقيقة، مما يجذب الشركات الكبرى التي تبحث عن السرعة والإنجاز.
2. العوائد المعنوية والأدبية:
- التحرر من المهام الإدارية والورقية المملة، والتفرغ لرسم الخطط الاستراتيجية للقضايا، والمرافعة الإبداعية، وبناء العلاقات مع الموكلين.
- قدرة الآلة على مسح آلاف المستندات دون إغفال بند واحد تحمي رجل القانون من الأخطاء المهنية الحرجة، مما يرفع من موثوقيته ونزاهته.
- العمل على مساعدة القضاة وأعضاء النيابة في تلخيص القضايا الضخمة والوصول للسوابق القضائية، مما يساهم في القضاء على مشكلة "العدالة البطيئة".
- العمل على تقليل الاحتمالات الفردية في تفسير النصوص عبر توفير رؤية شاملة لكيفية تطبيق القانون في قضايا مماثلة.
خلاصة القول
أخلص من ذلك إلى عدم الاستغناء عن صاحب الفكر القانوني؛ حيث إن الذكاء الاصطناعي لم يكن ليولد دون رجل قانون ساعد في ولادته، فأصبح متمكناً من توفير ما توفر لديه من معلومات تم تخزينها مسبقاً عبر الآلة الإلكترونية، وهو ما يتم تخزينه وبثه حالياً ومستقبلاً نتيجة الحداثة والتطوير للمعلومات والبيانات.
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي ليس بمفيد أو يمكن الاستغناء عنه؛ بل بات ضرورة ملحة في الاستعمال لما يوفره ويسهله من سرعة تلقي المعلومة وخلق مفاتيح للوصول إليها، لكن لا يغني مطلقا عن المراجع الورقية الموثقة من كتب ورسائل علمية من ماجستير ودكتوراه وقوانين صيغت وضبطت، وأعمال تحضيرية لها، ومذكرات إنشائية، ومجلات ومقالات نشرت، ومكتبات بحثية ورقية، وذلك للدقة والمهارة في توثيق المعلومات من حيث المصدر، وكل هذا يحتاج إلى ترابط وتوثيق وأداء يمكن الباحث من صياغة ما يكتبه ويوثقه.
يهمنا تفاعلك